عدت أيام التحقيقات وأنا زي الجـ,ـثة الهامدة. مكنتش باكل ولا بشرب ولا بتكلم. كنت قاعد في الشقة، أدخل أوضة عمر، أمسك هدومه، أشم ريحتها، وأبص للسقف. الكوابيس وقفت.. الصريخ انقطع. . بس العذاب جواه اتضاعف مية مرة. الحلم كان رحمة، كان تنبيه من ربنا عشان أطلع ابني وأعرف الحقيقة، لكن الحقيقة كانت أتقل من إن بشر يستحملها.
كنت كل ما أغمض عيني، أفتكر أمه الله يرحمها وهي بتقولي في المنام: “خرج ابنك يا عبد السميع!”.. كانت عارفة، روحها كانت حاسة بضناها وهو بيتخنق تحت الأرض، وجاتلي عشان أنقذ جـ,ـثته وأكرمه بدفـ,ـنة صح، ونمسح الدم اللي كان نازل منه. عدى شهر على الواقعة، وشعري شاب بالكامل، جسمي هزل وبقيت زي الخيال. بنتي جات من السفر لما عرفت، كانت تبكي وتترجاني أجي أعيش معاها ومع جوزها عشان أخرج من الجو ده، بس أنا رفضت.
قلتلها: “أنا مش هسيب بيت عمر.. أنا قاعد مع ريحته هنا لحد ما أروحله.” في ليلة من الليالي، وبعد ما الدنيا هديت والتحقيقات قفلت ملفها على إنها غلطة طبية وإهمال جسيم، قعدت على مصلايتي بعد صلاة الفجر. كنت ببكي بدموع حارقة، وبكلم ربنا: “يا رب.. أنا مش معترض على قضاءك، بس قلبي محروق.. ارحم ضعفي واجعل عذابه في الضلمة دي كفارة ليه وشفاعة ليا.” ونمت على المصلاية من كتر التعب والدموع.. وهناك.
. في النوم.. شفت عمر. بس المرة دي، المنظر كان مختلف تماماً. مكنش فيه شوكة، ومكنش فيه دم، ومكنش بيصرخ. عمر كان واقف في مكان كله نور، أرض خضراء ممتدة لمسافات العين مش جايباها، كان لابس ثوب أبيض ناصع زي الثلج، وشه كان بيشع نور وابتسامته الصافية رجعتله تاني.. الابتسامة اللي حرمتني منها الدنيا. قرب مني، ومسك إيدي.. حسيت بدفا إيده اللي حرمتني منها الأيام. قال لي بصوت هادي وزي العزف: “خلاص يا بابا.
. متزعلش ومتعذبش نفسك.. أنا أخذت نصيبي من العذاب في الدنيا ورُفعت درجاتي.. أنا هنا في راحة ونعيم مشفتوش في حياتي، وأمي جنبي وبتسلم عليك.. مستنيينك يا بابا، بس في ميعادك.. اصبر، ودعواتك هي اللي بتوصلني.” قمت من النوم المرة دي.. مكنتش عرقان ولا خايف. كان فيه سكينة غريبة نازلة على قلبي، ريحة مسك كانت مالية الأوضة. مسحت دموعي، وقلت: “الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
” عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى جعلي الحلم ده عشان أكشف الحقيقة، وعشان أريح جـ,ـثة ابني وأكرمه، وعشان ينبهني إن العذاب انتهى وتبدّل بنعيم مقيم. من اليوم ده، أنا عايش أليف السجادة والقرآن، مستني اللحظة اللي هقفل فيها عيني عشان أروح لعمر وأمه.. وعرفت إن أشد ابتلاءات الدنيا، ممكن تكون هي الباب اللي بيكفر بيه ربنا الذنوب ويرفع بيه الدرجات في الجنة
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.