ما يكشفه هذا التعليق هو جوهر المشكلة: الريبة تسبق الفهم. عندما يحدث شيء سيئ في حياتنا — تعثّر في العمل، خلافات أسرية، مرض مفاجئ — يبحث العقل عن تفسير. وإذا وُجد “جار غريب” في الصورة، يصبح هو التفسير الجاهز. وتشير دراسة أكاديمية عن “الآثار الاجتماعية للسحر على الفرد والأسرة” إلى أن كثيرًا من ضحايا اتهامات السحر يعانون في الحقيقة من مشكلات واقعية: انهيار علاقات زوجية، تعطّل مصدـ,,ـــر رزق، توترات مع الأقارب.
لكن “السحر” يصبح التفسير الأسهل، لأنه يحوّل المشكلة من “أنا أعاني” إلى “هو السبب”. والجار — بحكم قربه اليومي — هو المشتبه به المثالي. الجار في الثقافة العربية: من “شفيع” إلى “خطر” للجار في الثقافة العربية مكانة استثنائية. قال النبي محمد ﷺ: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه“. وفي الإسلام، إيذاء الجار يُعد من الكبائر.
هذا التقديس للجوار يجعل الخلاف مع الجار أكثر إيلامًا، لأن الخيانة تأتي من الجهة التي كان يُفترض أن تأتي منها الحماية. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما كان الجار “أخًا” في المثالية الثقافية، كان تحوّله إلى “عدو” أكثر صدمة. عندما يقول صاحب السوبرماركت: “نحن جيران، ولم أؤذه في شيء”، فإنه لا يشتكي فقط من الفعل، بل من خرق العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي يجعل الجار حصنًا، لا خطرًا.
ماذا يعني كل هذا؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين ما كان يفعله ذلك الرجل في تلك الليلة. الكاميرا صوّرت الفعل، لكنها لم تصوّر النية. ما نعرفه بالتأكيد هو أن علاقة جارين انتهت، وأن مقطع فيديو واحدًا كان كافيًا لتحويل “البيت المجاور” إلى “مصدـ,,ـــر تهديد”. الدرس الأعمق ليس عن السحر، بل عن فقدان القدرة على الثقة.
في زمن يسهل فيه تصوير الجار ونشر الفيديو، ويصعب فيه التحقق من النوايا، يصبح “السحر” مجرد قناع نلبسه على خوفنا من الآخر. والضحية الحقيقية ليست من “مُسِحَر”، بل من فقد جاره — وتحوّل البيت المقابل إلى عدوّ. آخر تحديث: أكتوبر 6, 2026 شاركها فيسبوك X لينكدإن ماسنجر ماسنجر واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.