قعدت على الأرض ساندة ضهري على الحيطة، حاطة إيدي على راسي وعقلي بيصرخ من كتر الأسئلة. أنا مهندسة ديكور، عمري 28 سنة، عمري في حياتي ما آمنت بالخرافات، ودايماً كنت بتريق على الناس.. بس اللي شفته بعيني، والدم الأسود اللي سال في كف إيدها، والبيجامة اللي اتسرقت من دولاب أوضة نومي، مكنش خرافة.. ده كان واقع مرير بيطبق على أنفاسي.
الساعة كانت بقت 6 الصبح، وخيوط الشمس الأولى بدأت تكسر عتمة السما ورمت ضوء رمادي باهت على شبابيك البيت. قولت لنفسي بصوت عالي وأنا بفرك إيديا المرتجفة: “مش هفضل مستخبية هنا زي الفارة المذعورة.. لو دي مصيبة، لازم أطلع الحاجات دي من الأرض قبل ما السور يتبني ويقفل عليها للأبد!
” قمت، لبست عباية وطرحة ولبست جزمة جلد تقيلة والجوانتي سميك من بتاع أعمال الجنينة، ومسكت في إيدي فأس صغير ومجرفة حديد كنت بقلب بيهم التربة للزرع، وفتحت باب الجنينة بحذر شديد. الهوا الصباحي كان بارد، ريحة الندى مختلطة بريحة تراب غريبة.. ريحة غريبة كانت بتفوح أول ما قربت من شجرة الليمون. وقفت على بعد خطوتين من الشجرة. شفت المكان اللي نجلاء وقفت فيه وداست فيه برجليها.
على الأرض، كان في بقعة سودا كأنها زيت عربيات محروق، بس فيها لزوجة مقززة، وشوية قشر بيض متكسر لونه بني غامق.. وخصلة الشعر والبيجامة مكنوش موجودين، أخدتهم معاها! بلعت ريقي بصعوبة، ونزلت على ركبي، ومشيت زحف على الأرض لحد الخط الفاصل بين الجنينتين.. الخط اللي كان عليه سور الشجر القديم واتشال، والمفروض يتبني عليه سور الطوب. افتكرت الأماكن اللي شفتها فيها الأيام اللي فاتت وهي بتحفر الفجر.
حطيت سن الفأس الصغير في أول نقطة، وبدأت أنبش في التراب بإيدين بترتعش. التراب كان طري ومهوي في الحتة دي، كأنه اتحفر قريب. بعد حفر حوالي 15 سنتيمتر بس، سن الفأس خبط في حاجة صلبة وطلعت صوت طقة خفيفة: “تك”. قلبي دق في حنجرتي. وقفت الفأس، ومديت إيدي بالجوانتي وبدأت أزيح التراب بصوابعي.
ظهرت البيضة الأولى! مسكتها وطلعتها بحذر. البيضة مكنتش طبيعية بالمرة. مكانتش بيضة فراخ بيضا أو حمرا عادية.. كانت مطلية بمادة غريبة وناشفة، وعليها من برة رموز ونقوش مكتوبة بحبر أحمر رفيع جداً.. حروف مش مفهومة، وأرقام متقاطعة في مربعات، وفي النص مكتوب اسمي واسم أمي: “ياسمين بنت كوثر”! وعلى قمة البيضة، كان ختم أسود مقفول بيه خرم صغير زي اللي نجلاء عملته بالإبرة الصبح.
جسمي كله قشعر برعدة رهيبة، وحسيت بالبرد بيسري في ضهري. “دي حاجات خطيرة.. دي كانت بتدفــ,,ـــــن أشياء باسمي وباسم أمي كل يوم!” بس الفضول دفعني مأقفش. بدأت أحفر في النقطة التانية على بعد متر واحد.. لقيت البيضة التانية! بنفس الرموز، بس الختم المرة دي كان أحمر. حفرت في النقطة التالتة.. لقيت التالتة. والرابعة.. والخامسة.. والساتة!
ست بيضات كاملين، مرصوصين على خط مستقيم بالمللي، المسافة بين كل بيضة والتانية متر بالظبط، كأنها كانت بتقيس المسافات بمسطرة هندسية مش مجرد دفــ,,ـــــن عشوائي! جمعت الست بيضات في طبق بلاستيك كبير، وكنت لسه هقوم عشان أدخل بيهم شقتي وأشوف هعمل فيهم إيه، أو أبلغ الشرطة.. وفجأة، سمعت صوت ورا ضهري خلاني اتسمرت مكاني ونفسي انقطع تماماً!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.