كبرت بناتي بشرفي وعرقي، واحدة دخلت كلية طب والتانية هندسة، وكل البلد بقت تحلف بأدبهم ونجاحهم. في يوم من الأيام، بعد سنين طويلة، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت الحاجة حكمة.. كبرت في السن، ظهرها اتنحنى، وعينيها اللي كانت بتطلع شرار بقت مطفية ومكسورة. بصت لي بصة رجاء وقالت بصوت متهدج سامحيني يا هدى.. أنا أخدت عقابي في الدنيا قبل الآخرة، حسن حاله اتقلب وغادة سابته ومشيت، وبقيت عليلة ومحدش يخدمني.
بصيت لها طويلًا.. افتكرت ليلة ما رمتني في الشارع، وافتكرت ك. سرة قلبي على بناتي. بس افتكرت كمان إن ربنا جابلي حقي وزيادة، وإن التسامح شيمة الأقوياء. مسكت إيدها ودخلتها الشقة، قعدتها وجمعت بناتي وقالتلهم سلموا على سيتكم.. وسبوها ترتاح. الحاجة حكمة بكت بكاء حار، وحطت إيدها على دماغي وقالت أنتِ طلعتِ أصيل وأنا طلعت ظالمة.
. ربنا يبارك لك في بناتك يا بنت الأصول. وعرفت ساعتها إن الصبر مفتاح الفرج، وإن اللي يسلم أمره لربنا، ربنا ما بيك. سروش أبداً، والمركب اللي كنت فاكرة إنها غرقت، ربنا قادها لبر الأمان بكرمه وعدله فوتت السنين والتجربة علّمتني إن الحق لما بيرجع، ما بيرجعش بس بأوراق المحكمة، ده بيرجع لما تبص في عين اللي ظلمك وتلاقيه مكسور بالعين والذنب.
الحاجة حكمة قعدت على الكنبة في صالوني، إيديها بتترعش وهي ماسكة كوباية المية اللي مدتهالها بنتي الكبيرة شهد. شهد اللي كانت زمان طفلة بتبكي ومحبو. سة ورا الباب، كبرت وبقت دكتورة قد الدنيا، واقفة تبص لستها بقلب أبيض رباها عليه، من غير غل ولا قسوة. قعدت قدامها وقولتلها يا حاجة، أنا نسيت الوجع، مش عشان خاطرك، لكن عشان خاطر سيد الله يرحمه وعشان خاطر بناتي ما يشيلوش في قلوبهم سواد يمرر عيشتهم.
بس قولي لي.. كان إيه الفايدة من ده كله؟ دموعها نزلت على خدودها المتجعدة، ونكست رأسها في الأرض وقالت بصوت مجروح الجهل والطمع يا هدى.. كنت فاكرة إني لما أربط حسن بدبورة غادة وأطردك، إني كده بحافظ على بيت ابني وماله تحت إيدي. مكنتش عارفة إني بخرّب البيت بيدي. حسن مكنش راجل حمل مسؤولية بيت تاني، وغادة كانت صغيرة وطمعانة في راحة البال، أول ما القرش قل والحال اتضايق، شالت عيالها وسابت له البيت ورجعت لأهلها تطالب بنفقة وطلا.
ق! سكتت شوية واسترجعت الشريط.. حسن أخو جوزي اللي وافق زمان يرميني في الشارع عشان يرضي أمه، حاله اتقلب حال. التجارة اللي سابها المرحوم سيد كانت محتاجة راجل شاطر يراعي ربنا ويصون اللقمة، لكن حسن كان بيصرف من الكسبان ومن غير حساب، لحد ما الديون ركبته واضطر يبيع نصيبه في المحل الصحراوي عشان يسدد للناس، وبقى شغال باليومية عند اللي كانوا زمان خدامين عنده!
وشيرين مراته الأولى اللي فرحت فيا لما انطردت، أكلت النكد أشكال وألوان لما حسن اتجوز عليها، ولما الفقر دخل من الباب، الود طار من الشباك وبقت العيشة بينهم جحيم لا يطاق. أما سحر أخت حسن الصغيره، اللي شهدت عليا زور وقالت إني تنازلت عن بناتي وعفشي، ربنا رزقها بجوز قاسي، شربها من نفس الكأس، وأخد حاجتها ورمى لها ورقتها، ورجعت قعدت جنب أمها مكسورة الجناح.
أنا بقى.. في الأيام الأولى بعد ما أخدت الشقة بحكم المحكمة، الشارع كله كان بيبص لي بنظرة استغراب؛ حزمة حريم من غير راجل في بيت عيلة. بس أنا مكنتش فاضية لكلام الناس. كنت بصحى من الفجر، أطبخ وأجهز صواني الأكل البيتي محشي، ومكرونة بشاميل، وفطير مشلتت. محمود أخويا كان ياخد مني الشغل ويوصله للمحلات والمكاتب في البندر. اللقمة الحلال فيها بركة عجيبة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.